ابن قيم الجوزية
65
حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح
الباب العشرون في طلب أهل الجنة لها من ربهم وطلبها لهم وشفاعتها فيهم إلى ربها عزّ وجلّ قال اللّه تعالى حكاية عن أولي الألباب من عباده قولهم : « رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا . رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ . رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ » والمعنى وآتنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك من دخول الجنة . وقالت طائفة معناه وآتنا ما وعدتنا على الإيمان برسلك وليس بسهل حذف الاسم والحرف معا إلا أن يقدر على تصديق رسلك وطاعة رسلك وحينئذ فيتكافأ التقديران ، ويترجح الأول بأنه قد تقدم قولهم ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا وهذا صريح في الإيمان بالرسول والمرسل ثم توسلوا إليه بأيمانهم أن يؤتيهم ما وعدهم على ألسنة الرسل فإنهم سمعوا بوعدهم لهم بذلك من الرسل وذلك أيضا يتضمن التصديق بهم وأنهم بلغوهم وعده فصدقوا به ، وسألوه أن يؤتيهم إياه . وهذا هو الذي ذكره السلف والخلف في الآية . وقيل المعنى آتنا ما وعدتنا من النصر والظفر على ألسنة الرسل . والأول أعم وأكمل . ( وتأمل ) كيف تضمن إيمانهم به الإيمان بأمره ونهيه ورسله ووعده ووعيده وأسمائه وصفاته وأفعاله وصدق وعده والخوف من وعيده واستجابتهم لأمره . فبمجموع ذلك صاروا مؤمنين بربهم فبذلك صح لهم التوسل إلى سؤال ما وعدهم به والنجاة من عذابه . وقد أشكل على بعض الناس سؤالهم أن ينجز لهم وعده مع أنه فاعل لذلك ولا بدّ . وأجاب بأن هذا تعبد محض كقوله « رب احكم بالحق » وقول الملائكة « فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك » وخفي على هؤلاء أن الوعد معلق بشروط منها الرغبة إليه سبحانه وتعالى وسؤاله أن ينجزه لهم كما أنه معلق بالإيمان وموافاتهم به . وأن لا يلحقه ما يحبطه . فإذا سألوه سبحانه أن ينجز لهم ما وعدهم تضمن ذلك توفيقهم وتثبيتهم وإعانتهم على الأسباب التي ينجز لهم بها وعده فكان هذا الدعاء من أهم الأدعية وأنفعها وهم أحوج إليه من كثير من الأدعية . وأما قوله رب احكم فهذا سؤال له سبحانه وتعالى أن ينصرهم على أعدائهم فيحكم لهم عليهم بالنصر والغلبة وكذا سؤال الملائكة ربهم أن يغفر للتائبين هو من الأسباب التي يوجب بها لهم